أبو نصر الفارابي
مقدمة 76
فصوص الحكمة ( شرح الغازاني وحواشي الداماد )
هو المشاهدة ؛ والمشاهدة إمّا بمباشرة وملاقاة وإمّا من غير مباشرة ؛ وهذا هو الرؤية . والحقّ الأوّل لا يخفى عليه ذاته ؛ وليس ذلك بالاستدلال ؛ فجائز على ذاته مشاهدة كماله من ذاته ؛ فإذا تجلّى لغيره مغنيا عن الاستدلال وكان بلا مباشرة ولا مماسّة كان مرئيّا لذلك الغير حتّى لو جازت المباشرة - تعالى عنها - لكان ملموسا أو مذوقا أو غير ذلك ؛ وإذا كان في قدرة الصانع أن يجعل قوّة هذا الإدراك في عضو البصر الذي يكون بعد البعث لم يبعد أن يكون تعالى مرئيّا يوم القيامة من غير تشبيه ولا تكييف ولا مسامتة ولا محاذاة تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . تفسير قوله : « فلا لبس له ؛ فهو صراح ؛ فهو ظاهر » : كلّ شيء يخفى : [ 1 . ] إمّا لسقوط حاله في الوجود حتّى يكون وجوده وجودا ضعيفا مثل النور الضعيف . [ 2 . ] وإمّا أن يكون لشدّة قوّته وعجز قوّة المدرك عنه ويكون حظّه من وجوده قويّا مثل نور الشمس ، بل قرص الشمس ؛ فإنّ الإبصار إذا رمقته أنت حسيرا وخفى شكله عليها كثيرا . [ 3 . ] وإمّا أن يكون لستر والستر إمّا مباين كالحائط يحول بين البصر وبين ما ورائه وإمّا غير مباين وهو إمّا مخالط لحقيقة